محمد بن يزيد المبرد
351
المقتضب
وذلك قولك : « إن أتيتني أكرمتك » ، و « إن جئتني جئتك » . فإن قال قائل : فكيف أزالت الحروف هذه الأفعال عن مواضعها وإنّما هي لما مضى في الأصل ؟ قيل له : الحروف تفعل ذلك لما تدخل له من المعاني ؛ ألا ترى أنّك تقول : « زيد يذهب يا فتى » ، فيكون لغير الماضي . فإن قلت : « لم يذهب زيد » ، كان ب « لم » نفيا لما مضى ، وصار معناه : « لم يذهب زيد أمس » ، واستحال « لم يذهب زيد غدا » . * * * وإنّما قلنا : إنّ « إن » أصل الجزاء ؛ لأنّك تجازي بها في كلّ ضرب منه . تقول : « إن تأتني آتك » ، و « إن تركب حمارا أركبه » ، ثمّ تصرّفها منه في كلّ شيء . وليس هكذا سائرها . وسنذكر ذلك أجمع . تقول في « من » : « من يأتني آته » ، فلا يكون ذلك إلّا لما يعقل . فإن أردت بها غير ذلك ، لم يكن . فإن قال قائل : فقد قال اللّه عزّ وجلّ : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ « 1 » فهذا لغير الآدميين ، وكذلك وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ « 2 » . قيل : إنّما جاز هذا ؛ لأنّه قد خلط مع الآدميين غيرهم بقوله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ « 3 » ، وإذا اختلط المذكوران ، جرى على أحدهما ما هو للآخر إذا كان في مثل معناه ؛ لأنّ المتكلّم يبيّن به ما في الآخر وإن كان لفظه مخالفا . فمن ذلك قول الشاعر [ من الرجز ] : [ 120 ] - شرّاب ألبان وتمر وإقط
--> ( 1 ) النور : 45 . ( 2 ) النور : 45 . ( 3 ) النور : 45 . [ 120 ] - التخريج : الرجز بلا نسبة في لسان العرب 2 / 287 ( زجج ) ، 11 / 402 ( طفل ) . اللغة : أقط : طعام يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل . المعنى : هذا الرجل كثير النهم والأكل للتمر والأقط ، كثير الشرب للبن . الإعراب : « شرّاب » : خبر لمبتدأ محذوف مرفوع بالضمة . « ألبان » : مضاف إليه مجرور بالكسرة . -